ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
139
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
يعنيه ، وقع فيما لا يرضيه ، ومن نطق بالحق في الطريق وكان محاميا عن خرقته نال العلا والمعالي ، وأحبه المولى المتعالي ، فجزى اللّه من حمى عن خرقته « 1 » خيرا ، فإن ذلك كله عضو واحد . * ومن كلامه رضي اللّه تعالى عنه * قال : الحديث يدل على أن من خلق من الصفاء صلح للمصافاة ، ومن خلق من الكدر لا يصلح للقرب ولا للمناجاة ، خلق إبليس من أصل غير طاهر فكانت خلعة العبادة عليه عارية ، فشجرة معاملته بإيقاده الخوف تحته ، فلما أعرض عنه عاد إلى بروده وطبعه .
--> ( 1 ) خرقته : خرقة الصوفية وهي : ما يلبسه المريد من يد شيخه ، الذي قد دخل في إرادته ، وذلك لفوائد : أحدها : ما يناله المرد من بركة الشيخ عندما يتناول الخرقة من يده المباركة . وثانيها : أن الشيخ المربي الرباني إذا نظر ببصيرته النافذة المؤيدة بالذات الموقدة عن الشهود المحقق على حال من يريد تربيته ، فإنه يعرف من جهة العلم الذاتي والإلهام الرباني ما يحتاج إليه المريد بحسب استعداده في كشف حجابه المعوق له عن الوصول إلى ربه . وقد يتلبس الشيخ بتلك الحال التي يحتاج المريد إليها في زوال ذلك الحجاب حتى يتحقق الشيخ بتلك الحال ، ويعمره ، فيسري قوة ذلك الحال في الثوب الذي يكون على الشيخ ثم يجرده في الحال ، ويلبسه لذلك المريد فيسري فيه الحال سريان الخمرة الروحانية في القوى المعنوية فيعمره ذلك الحال ويتم له حصول المرام . ومنها : ما هو باطن كذلك ، وكان الضروري من لباس الظاهر ما يكفي في ستر العورة ، وغير الضروري ما يزيد على ذلك ، وكذلك الضروري من لباس الباطن هو ما يواري سوآت الباطن ، وهو تقوى المحارم ، وما ليس بضروري وهو ما يزيد على ذلك من مكارم الأخلاق ، كنوافل العبادات والإصلاح والصفح وغير ذلك ، مما رغّب الشارع فيه من غير إيجاب ، ثم تقرر هذا في نفوس أهل الحق ، وتحققوا أن لباس الباطن على صورة لباس الظاهر أرادوا أن يجمعوا بين اللبستين ليتزينوا بالزينتين ، ويتجمّلوا بالحسنيين فيثابوا من الطريقين ، فلبسوا هذه الخرقة المعلومة عندهم ليكون ذلك تنبيها على ما يريدونه من ستر بواطنهم بلباس التقوى ومكارم الأخلاق لينستر الرياء بالإخلاص ، والخيانة بالأمانة والكذب بالصدق ، وغير ذلك من الأخلاق التي ينبغي أن يستتر منها بالجميل . والأصل في هذا كله هو أن اللّه تعالى لما قال : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » صار الحق لابسا لقلب العبد حرمة ساترة له ، أراد أهل اللّه بلبس الخرقة المعهودة أن يشيروا بذلك إلى أن الحق إنما يصير لابسا لقلب عبده إذا لبس خرقة مكارم الأخلاق ، إذ القدوس لا يسكن إلا البيت المقدس كما مر معنى ذلك . ( لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام للشيخ عبد الرزاق القاشاني ) .